جلال الدين السيوطي
132
الإتقان في علوم القرآن
ونازع ابن العربيّ في قولهم : إنّ الخبر يرد بمعنى الأمر أو النهي ، قال في قوله تعالى : فَلا رَفَثَ [ البقرة : 197 ] : ليس نفيا لوجود الرّفث ، بل نفي لمشروعيّته « 1 » ، فإنّ الرفث يوجد من بعض الناس ، وأخبار اللّه تعالى لا يجوز أن تقع بخلاف مخبره ؛ وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا ، كقوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [ البقرة : 228 ] ومعناه : مشروعا لا محسوسا ، فإنا نجد مطلقات لا يتربّصن ، فعاد النفيّ إلى الحكم الشرعيّ لا إلى الوجود الحسّي . وكذا : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) [ الواقعة : 79 ] أي : لا يمسّه أحد منهم شرعا ، فإن وجد المسّ فعلى خلاف حكم الشرع . قال : وهذه الدّفينة التي فاتت العلماء ، فقالوا : إنّ الخبر يكون بمعنى النهي ، وما وجد ذلك قط ، ولا يصحّ أن يوجد ؛ فإنهما مختلفان حقيقة ويتباينان وضعا . انتهى . فرع « 2 » من أقسامه على الأصحّ التعجب ، قال ابن فارس : وهو تفضيل شيء على أضرابه . وقال ابن الصائغ : استعظام صفة ، خرج بها المتعجّب منه عن نظائره . وقال الزمخشريّ « 3 » : معنى التّعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين ؛ لأنّ التعجّب لا يكون إلّا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله . وقال الرّمانيّ : المطلوب في التعجّب الإبهام ؛ لأنّ من شأن الناس أن يتعجّبوا ممّا لا يعرف سببه ، فكلما استبهم السبب كان التعجّب أحسن . قال : وأصل التعجّب إنّما هو للمعنى الخفي سببه ، والصيغة الدّالّة عليه تسمّى تعجّبا مجازا . قال : ومن أجل الإبهام لم تعمل ( نعم ) إلّا في الجنس من أجل التفخيم ؛ ليقع التفسير على نحو التفخيم بالإضمار قبل الذكر . ثم قد وضعوا للتعجّب صيغا من لفظه ، وهي : ( ما أفعل ) و : ( أفعل به ) وصيغا من غير لفظه ، نحو ( كبر ) كقوله : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [ الكهف : 5 ] ،
--> ( 1 ) انظر الدر المصون 2 / 323 - 327 . ( 2 ) انظر البرهان 2 / 317 . ( 3 ) انظر أساس البلاغة ص 293 ، والكشاف 4 / 418 في تفسير سورة الصف ، كما ذكره في البرهان 2 / 317 .